النادي
النادي
مر يومان علي اللحظة الفاصلة التي أعطتني قبسا من ضوء سلط علي مستقبلي
سريعا و أهداني الله النتاج الطبيعي لأفعالي اليوم .
جلست علي الأرض حافية كغير عادتي لأفتش داخل الدفتر عن صفحة خالية لأكتب
مذكراتي التي تركتها منذ زمن . أدركت هنا أن الدفتر أصبح يعج بجداول لمواعيد الطعام
و قائمة بملابس طفلي و نشاطه اليومي .
توقفت نظري عند قائمة بعينها ووجدت فيها أول ملابس إشتريتها له . يقولون
أن مشاعر الفقد تتجلي في أقوي صورها عندما تقترب من نقطة الفقد نفسها , فقد تقترب و
لا تبلغها , و إن فقدنا الشئ فكأن العقل يقرر تخدير الحواس و يقوم بإرسال إشارات عدم
التصديق حتي لا ينهار الجسد تماما .
أرجعت ظهري للحائط و أغمضت عيني و المشاهد تأبي أن تترك مخيلتي
.
اليوم تم عامه الثانية و منذ يومين قررت أن أحتفل بإقتراب خلاصه من ألم
بروز الأنياب المعروف. أعلم أني تأخرت في الإحتفال و أن طقم الأسنان اللبنية إكتمل
و لكني كنت أريد أن أدمج إحتفالين في واحد .
لم يكن إحتفالا بالمعني المعروف , كان إحتفالا داخليا بإنتهاء الأعراض
المصاحبة من قئ و إسهال و سخونة غير مبررة و تهاجمه في أي وقت.
فكرت أن أذهب للنادي و أرجو القائمين علي حمام السباحة أن يسمحوا له بالنزول
للمياه و لو لربع ساعة حيث أن النزول مسموح فقط لمن هم فوق الثلاث سنوات
.
كان قلبي يعج بالفرحة و أنا أراه يجلس بالمايوه الأحمر الكبير نسبيا و
المعلق في الحفاضة التي يلبسها .
جلست أقرب مايكون لحافة الحمام لأسجل أولي لحظات نزوله بعد أن ووافق المدير
علي نزول كافة الأطفال الذين يحملون من العمر سنتان .
همي الأول كان تسجيل تلك اللحظات لإرسالها عبر الإنترنت لزوجي الذي يعمل
في دولة أجنبية ليشاركنا كل الصور و أدين بشكر عميق لله الذي جعل سفر زوجي بعد إختراع
شبكات التواصل الإجتماعي التي قللت من وحشة الغربة وجعلت الأخبار تتناقل بسرعة البرق
.
أصبح آدم كل حياتي بعدما أخرج من رحمي .
يصرخ بلا هوادة و يضحك بلا رحمة , نعم بلا رحمة لأني أسقط من الضحك معه
بإبتسامته التي تخلب لبي و يفقدني عقلي بكثرة صراخه و تقلبات مزاجه الغريبة
.
ينقلب فجأه من الصراخ للضحك الهيستري الذي لا أقوي علي إحتماله و أجلس
لأضحك معه علي لا شئ .
مرت اللحظات سريعة عليه وهو يمسك بدلو صغير يملئ الماء فيه ثم يفرغه و
يمرر عينيه بين الموجودين دون توجيهها لأعلي حتي لا تصطدم بأشعة الشمس القوية
.
وضعت الأوراق الفارغة في حجري فسقطت دمعتان عليهما , أمسكت بالقلم أريد
أن أسطر أيا من اللحظات الفائتة حتي أقتل مشاعري قتلا أو حتي أداري جزءا كاد أن يفيض
فيزهق روحي من كم الهم االذي يحمله بين طياته .
جلست صديقتي بعيدة تنظر إلينا و تلقي بنظرها بين الحين و الآخر علي أولادها
و هم يسبحون , هم كبارا حتي أنها تطمئن لوجودهم داخل حمام السباحة دون مراقبة تذكر
.
جلست أستمتع بأشعة الشمس القوية وهي تسلخ وجههي سلخا و العرق ينهمر علي
وجههي و لكني لأول مرة كنت أشعر بفيض من السعادة لأني قد وجدت أخيرا الشئ الذي من الممكن
أن يسعد طفلا في الثانية من عمره و لا يمل منه أبدا .
بركة صغيرة من الماء يلعب بها و يضحك لقطرات تسقط علي وجهه كأنها يد حانية
تلهيه عن آلام الأسنان التي تشق لثته بعنف .
اللحظات السعيدة تمر سريعا و كأنها تأبي أن تمتعنا أكثر , أمر مدير الحمام
أن يخرج كل من هم دون الثالثة من العمر حتي لا يؤذيهم الأطفال الكبار أثناء لعبهم
.
اكتفيت بدقائق قضيتها أشاهد السعادة في عينيه و أخذته لأحممه و أغير له
ملابسه .
أشرت لصديقتي لأن تناولني الحقيبة التي تمتلئ بمستلزمات الإستحمام , جلست
أحممه و هو يصرخ و يحاول أن يجري هاربا كعادة الأطفال , تلك هي لحظتي الخاصة جدا للسعادة
التي فيها أزيل الأوساخ عن جسده الصغير و تنبعث منه رائحة النظافة
.
خرجنا أنا وهو إلي الطاولة و الكراسي لأجلس مع صديقتي حتي إنتهاء الميعاد
المقرر للسباحة و خروج أولادها .
- ماتيجي نتمشي شوية ؟
- وولادك حتسيبيهم .. أحسن يطلعوا يدوروا عليكي و يتوهوا.
- لا لا متقلقيش
- !!!
أمسكت بيده و أمسكت هي بالأخري ووقفنا ننظر للنافورة القابعة في مدخل
المبني و التي يحب الوقوف أمامها . ترك يدي ليشير للنافورة و يقول لي " نا
" .
يعشق تلك النافورة كثيرا حتي أني ضبطه ذات مرة وهو يحاول التسلق إليها
.
نظرت للسماء و شكرت الله علي وجوده في حياتي سليما معافي
.
- تيجي نلعب مع بعض يا آدم . تقول صديقتي
نظرت إليهم لأجدها فجأه تشد إبني من ذراع واحدة بكل قوتها لتعلقة في الهواء
و تنزله للأرض .
يصرخ آدم بألم حاد , يلجمني صراخه و يسري الشلل داخل أوصالي , لم أتحرك
و جحظت عيناي بشده .
أخذت ولدي بين أحضاني و إنهمرت عيناي بالدموع . من قد يفعل ذلك ؟
بأي عقل يشد طفلا من ذراعه بتلك القوة لتحمل تلك الذراع الصغيرة وزنه
بالكامل بدعوي أنه يلعب معه .
لم أستطع أن أتفوه بكلمة من الصدمة و لم أستطع أن أنظر إليها
.
أخرجت علبه من العصير و حاولت أن أعطيها له فعزف عنها لأول مرة و حاولت
أن أثني ذراعه لأتأكد من أنها سليمة فصرخ ألما .
- دكتور .. حد هنا دكتور .
هلعي أفقدني التوازن و التفكير السليم و رأيت بطرف عيني صديقتي تنسحب
بعيدا في صمت مع إزدحام الناس حولي لتري ما يحدث .
سألتني إحدي الأمهات عن السبب فوصفت لها الحالة ورجوتها أن تساعدني
.
- روحي دلوقتي لأقرب المستشفي لأحسن يكون كتف الولد إتخلع و لازم يترد هناك
.. بسرعه .
حملت طفلي و جريت بسرعه لم أعهدها في من قبل و أجلسته في حرص شديد
.
اليوم فقط لن أحترم إشارات المرور و لن اعير إهتماما لخدش حدث لسيارتي
عندما احتكت بسيارة أخري و لن أهتم بنظرة التعاطف التي كانت إنفجارا لماسورة دموعي
عندما أوقفني قائد السيارة ثم تركني بدون كلمة لمجرد النظر لوجهي الشاحب و إبني في
المقعد الخلفي .
وصلت للمستشفي و جاء الطبيب ليخبرني أن الكتف بخير و أن الإصابة في المرفق
و لابد أن يرد بعد خلعه من مكانه و طلب مني أن أبعد قليلا لأني لن أستطيع إحتمال ما
سأراه .
رجوته أن أقف ووعدته صادقتا أن أسكت تماما و لا أفعل شئ
.
لم أمارس مهنة الطب يوما و أعلم خطورة ما قد يحدث عند الإتيان بتلك الحركة
أما صديقتي تلك فهي طبيبة .. و لن أعلق أكثر .
عمل عقلي سريعا في سباق مع الزمن بأن يقفز للحظات المستقبلية و هو يري
إبني بخير حتي يتفادي الصرخات المنبعثة منه و أجبر عيني علي إغلاقهما حتي لا تريا دفق
الدموع وهي تنهمر منه عندما بدأ الطبيب بشد ذراعه و ثنيها بطريقة خاصة ليرجع االمرقف
لمكانه الطبيعي .
صراخه يمزق الحاجز الذي فعله العقل بي فلانت قدماي و لم أعد أستطيع رؤية
دموعه من إنهمار دموعى أنا .
يستمر الطبيب في ثني الذراع لمدة دقائق حتي يعود المرفق لمكانه
.
إنتظرت و حاولت أن أركز علي تنظيم أنفاسي حتي لا تخور قواي و أسقط فأنا
من سيحتاجه ليرتمي في حضنه و أنا من سأستمد الحب منه و لابد أن أكون له و يكون هو بخير
لي .
ترك الطبيب ذراعه و إنتظرنا بترقب شديد الدقائق القادمة لنختبر العلامات
التي تدل علي عودة مفصل المرفق لمكانه الطبيعي .
هدأطفلي تماما و أسند رأسه علي كتفي مرهقا ثم رفع رأسه لينظر لي ثم للطبيب
.
حبست أنفاسي و انا أراه يمد ذراعه المصابة ليلتقط بها سلسلة المفاتيح
الثقيلة الموضوعه علي المكتب ثم يضعها في فمه . نظرت للطبيب فوجدت ملامح جامدة تخبرني
بأنه أصبح سليما و و لزيادة التأكيد فسنقوم بإجراء أشعه علي الذراع
.
حمدت الله أني أحمل دائما معي مبلغا ماليا في جيبي بخلاف ما يوجد في محفظتي
لأن عند خروجي من النادي لم أكن أحمل غير سلسلة المفاتيح فقط و تركت كل أشيائي بالنادي
.
اطمئننت علي ولدي و كتب لي الطبيب أدوية مسكنة لأن الذراع من الممكن أن
تتورم في الأيام القادمة فلابد ألا أقلق ثم جلس يحدثني عن لا مبالاتي في شد ذراع الطفل
بتلك الطريقة الجاهلة , ثم بإنفعال أخبرني أن حتي آبائنا الغير مثقفين كانوا يعرفون
خطورة ما يحدث للمفصل إذا تم شده بتلك الطريقة و أني لدي وديعة من الله لابد ان أحافظ
عليها ولابد أن أقاوم إستهتاري الذي يمكن في يوم آخر أن يفقدني حياه طفلي بالكامل
.
إبتلعت مرارة تسربت في حلقي و أطبقت شفتي علي الغضب و الدخان الأسود الذي
لم يجد لنفسه مخرجا إلي السطح .
رجعت للنادي و أن لا أكلّ من شكر الله علي نعمته و أنظر لطفلي النائم
بسلام .
ذهبت لأجد صديقتي تنتظرني . لم اتفوه بكلمة واحدة لأتفادي إنبعاث الدخان
الأسود و أمسكت بحقيبتي لأحملها .
فوجدتها تقول لي .
- هو إنتي زعلانة مني في حاجة ؟
- !!!
- إنتي مش بتردي عليا ليه هو أنا عملتلك حاجة ؟ !!
- .................
تمت
26-5-2014
تعليقات
إرسال تعليق