صباح الخير


....صباح الخير....

جلست فى فراشى انعم بالقهوه اللذيذة سرا و انا أدعو الله الا يأتى زوجى فيكتشف انى اخبئ فنجان القهوة فى الركن المنسى من السرير .
أعلم ان ذلك من المدهشات و التى يرتفع لها حاجب صديقتى كلما قلت لها انى ممنوعة من شرب القهوة و انى احظى برقابة لصيقة من زوجى و اقاربى حتى لا ادمر الأمل الواهى الذى نتشبث به لانجاب الطفل الأول و الأخير .
لم تتذكر هى طبعا المراحل المتعددة لفقدان جنينى الواحد تلو الأخر بعد عدة مرات بعضها يدنو من قائمة الاستهتار بصحتى أو أخذى لأدوية بدون استشارة طبية جعلتنى اتمنى ان يمر الوقت سريعا لاتخلص من ألم الفراق لطفل فى أحشائى لم أره بعد أو أتمنى أن يرجع الزمن إلى الوراء قليلا لأهتم به أكثر ثم بعد شهور أنسى كل آلامى و أحلامى و توبتى و أرجع إلى حالة الاستهتار التى تفقدنى الجنين الذى يليه.
اليوم بعد أن أكد لى الطبيب أن كثرة شرب القهوة سيؤدى إلى تقليص حجم الجنين وأنا أعانى عموما من ضعف عام وتخطى عامى الاربعين يصير معنى الحمل لى انا بالذات هو الانتحار او الفرصة الأخيرة لرؤية طفل ينمو كاملا فى أحشائى و يخرج سالما إلى الدنيا.
أرشف ثانيا من الفنجان و أقرأ فى روايتى بحثا عن الأخطاء المنسية فتلك هى التسلية الوحيدة التى تبقت لى بعد أن منعت من الحركة و القهوة و قريبا من الهواء ذاته . انا التى فى أعماقها استبقيت الطفلة و لم أفنيها و لم أستطع أن أنضج أو أتحمل مسؤلية ما فما بالى بمسؤلية لطفل يكبر أبثه فنون الحياة التى مازالت أتعلم فيها يوما بعد يوم و لم أدرك آخرها و لن أدركه يوما فما استطيع أن اعطيه معلومات منقوصة .
من أنا حقا لأرى نفسى كفئا لطفل لم يبلغ عامه الأول يتشبث بى و يمتص منى عصارة تجربتى التى لم أنهيها بعد.
تتصارع مع الطفلة داخلى شخصية أخرى ترى فى نفسها المراهقة الصغيرة التى تتعطش لتجربة تصنع منها تحدى لمن لايزال يراها طفلة و معها تتداخل عوامل كثيرة تجعلها خائفة من تجربة الجديد.
التى كنت قد بدأت دفنها تحت سنواتى الأربعين و لكنها عادت الى السطح عندما عادت الذكريات و كأنى عشتها اليوم وأمس .
أرفض أن أقول انها حالة حب منسية هى مجرد ذكرى تحمل بين طياتها حب لشعور المراهقة نفسها و ليس حنين لحالة حب قديم أو حتى ندم على عدم تكملة تجربة فاشلة من الأصل و لكنى أشعر دائما أن الذكريات هى أهم من الأشخاص ذاتهم فالذكريات لا تفنى و تبقى لأجيال و أجيال أما نحن فنفنى سريعا سواء فى دوامة الحياه أو فى ظلام القبر.
تامر هذا اسمه كنت لا استغيسه ابدا و لكنه هو الوحيد الذى كان يهتم بى كثيرا فاغمضت عينى و قلبى عن اسمه لم أكن أعرف انه يحبنى الا بعد مرور سنوات طويلة من الدراسة و الدروس و لم اشاء أن أعطيه فرصة تزيد من صراعى الداخلى بين التربية التى حظيت بها و المشاعر الطبيعية التى أمر بها و أعترف أيضا أنه لم يكن أصلا على قائمة اهتمامتى وكنت أجد نفسى سخيفة أحيانا عندما أحاول أن أصب نفسى فى قالب الحب الذى لا أشعر به الا أننى أيضا كنت ابقيه على مسافة قريبة أقرب من زميل و أبعد عن صديق .
اليوم أتلقى أتصالا منه بعد مرور أكثر من عشرون عاما منذ أخر مرة رأيته فيها و بعد أن رفض أن يحضر الاجتماع السنوى الذى تعاهدنا أن نلتزم به كدفعة مترابطة لنعرف عن بعضنا كل جديد ولو مرة كل عام.
لم يصرح ساعتها بسبب مقنع لاستيائة من اجتماعنا السنوى و أرجع عدم إنضمامه لنا بمشاغله الكثيرة التى جعلته غاية فى الأهمية التى معها لا نرتقى نحن لذات الأهمية التى تجعله يرانا ساعة واحدة كل عام .
استغربته لفترة طويلة و خاصة بعد أن أتممنا شهاداتنا الجامعية و بقى منا من يريد أن يحقق ذاته قبل الموعد المحدد حتى يتباهى بما صنعه بعد التخرج مباشرة و ان كنت وصلت لمعلومات انه لا يزال يعيش حالة الحب المراهقة التى جعلته لا يطيق أن يرانى بعد أن استمررت فى ابعاده فترة بعد فتره عن حياتى التى نضجت فيها بطبيعة الحال و عرفت أن لا داعى لابقاء كلمة حب أدرك جيدا ان نهايتها الفشل .
اليوم كلمنى ليذكرنى بنفسه و يسألنى كيف حالى و ما وصلت له بعد تلك السنون عندها فقط شعرت بالتحدى و الكرامة الغير محدودة التى يشعر بها الصغير عند تلقيه صفعه و يريد أن يرد عليها عندها فقط أردت أن أسرد كل ما وصلت له حتى أرد شعور الرفض الذى دفننى تحت عباءته سنوات طويلة فضلا عن شعورى بالذنب اتجاهه بعد أن عرفت أنه تزوج مرتين فقط لأن زوجاته كن يشبهوننى .
اليوم قال لى انه يريد أن ألتقى به فى الاجتماع السنوى بعد أن عرف انى لم اتخلف عنه الا هذه السنه و قال كلاما كثيرا عن نضوجه و تخلصه من شبحى الدائر حوله لسنوات طوال .
كفرحة طفلة صغيرة يملئها العناد توسلت لزوجى بطلبين أولهما ان يسمح لى بالذهاب و أن يذهب معى . استغرب زوجى كثيرا و لكنه لم يسألنى لماذا اليوم بالذات الذى أريد منه الذهاب معى و عندما عرف السبب الحقيقى ادرك أنى عدت لتلك الحالة من عدم التوازن التى تسبق رواية جديدة لا أعرف أنا انى سأكتبها إلا بعد مرور فترة أرجع فيها لحالتى الطبيعية
ساعتها يضرب كفا بكف و يقول فى نفسه : "أنا اللى جبته لنفسى و اتجوزت مجنونة" .
إلا أنى أعرف يقينا أنى أحب فيه حبه لجنونى و تفهمه لمشاعرى فلم يتهمنى يوما مثلا بالخيانة كونى أتبع ذكرى لحب قديم أو الجنون كونى أفعل أشياء غير تقليدية إنما أدرك تماما أن تلك الذكريات و الافعال هى من تبقى سطورى مرتوية بحبر أسود يهنئنى عليه النقاد كل فترة عند صدور رواية جديدة و يرى فى عينى فرحة الطفلة الصغيرة بملابس العيد و انزواء المراهقة وراء النجاح الجديد.
أرشف الرشفة الأخيرة من الكوب و أجرى لأغسله سريعا ثم أعود الى الفراش و أمضغ علكتى قوية الرائحة التى تمحى اثر القهوة من أنفاسى عندها أدرك أن حبى للطفل فى أحشائى هو نابع من عشقى لزوج أتمنى أن أحصل على قطعة دائمة منه .
أتسأل بعد أن قرأت باقى روايتى عن لون و نوع الزهرة التى سيأتينى بها اليوم و التى سأحتضنها فى زجاجتى الخاصة أشتم رائحتها و أبقى ساهرة لأتأمل نومه المنزعج بعد يوم مرهق طويل فى العمل عندها فقط أعترف لنفسى أن السعادة تقاس بوردة يسلمها لى كل يوم أو نظرة تكشف أسرارى ليمنحنى بعدها حضنا عندما تفضحنى عيناى و تفصح عند ضيقى من شئ ما.
أدرك الآن أنى المحظوظة الوحيدة التى منحها القدر حب سنوات طوال مختذل فى شخص واحد منحنى الحب و الأمان فأضحك فى نفسى من ذكرى أردت فيها أن أكشف لمن حولى عن سعادة لا تخص أحدا غيرى و لا تلقى على رأسى إلا وابلا من الغيرة و الحقد .


7-9-2012

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Party 2

The Party 3

The Party