عيد الميلاد

- عيد الميلاد * ---

اليوم عيد ميلاد فاطمة , اليوم تمت الخامسة .

وقفت في المطبخ طوال النهار أبحث عن السكر تارة و أبحث عن الدقيق تارة أخري .

أراها تركض حولي ممسكة بعروستها الشقراء وخدودها تكاد تنفجر من فرط المجهود . تلهث وراء خيالها الطفولي الذي جعلها اليوم بطلة المهمات الصعبة كالكارتون الذي تشاهده .

اليوم عيد ميلادها , سأزين الغرفة و أكوي ملابسها الجديدة .

مند سنة دخلت بالمريولة إلي المدرسة , كانت مبهورة منقطعة الأنفاس , خائفة تارة متحمسة تارة أخري .

فقدت يدها في الزحام و التففت لأجدها تمسك بيد زميلة لها و تبتسم .

أسنانهم اللبنية تشع فرحا و تبث فيهم الإطمئنان .

تعطي صديقتها بسكويتة و تتظر إلي لتنتظر رد فعلي .

دمعترعيناي و أنا أتذكر ذلك اليوم , كم كبرت يا فاطمة . لم أحلم يوما أن أراك تخطين أولي خطواتك داهل المدرسة و لم أدرك أنك عندما تركتيها في أخر أيام العام الدراسي أنك لن تعودي إليها أبدا .

سأطوي بقعة الدم علي السرير طيا .

اليوم ذكري ميلادها , مر العام و لا مجيب بعد أن رأيتها بنفسي علي الأرض .

في مشهد بطئ تكونت بقعة دماء لزجة أسفل رأسها و عيناها مغمضتان .

لم تصرخ و لم تقل " آه " .... سمعت " بووم " .

ذهبت لأري المشهد فوجدتها .

مر عام و لم يجدوا الجاني .. أعرفه و أريده و لكن لا أدلة .

مشهد أبكي فيه بحرقة و أراه بنصف عين وسط الموجودين كان محمر الوجه تنتهي ملامح الأسي عنده لأجد ملامح الذهول تعلو قسماته مشهد اختذلته ذاكرتي و أفرزته بعدها .

أعرف " زيزو " نعم ..... أعرفه .

السادسة عشر سن شبه قانونية لا يعتبره القانون بالغا و يعتبره قانون المجتمع كذلك .

شاب مزعج النظرات , كنت أشعر أنه يجردني من ملابسي عندما ينظر إلي . ضبطه ينظر لأختي نادية بنظرات شرهه , كنت أقنع نفسي أن ما أراه منه هو خيالات أزمة صبيانية عابرة أريد بها أن أشعر أني صغيرة . هو في السادسة عشر و أنا في الخامسة و الثلاثون .

" أنا قد أمه " ...

مر عام علي وفاه فاطمة و مر ستة أشهر علي سفر زوجي الذي لم يحتمل صورتها التي تطارده علي حوائط المنزل أو صوتها الذي يتردد كل لحظة هنا و هناك .

تركني ليبقي بعيدا وهو الذي لم يرها علي الأسفلت و لم يمسك يدها أو يسند رأسها علي رجله .

زوجي لم يري زيزو في تلك اللحظة .

زيزو إبن البواب في العمارة المقابلة و يتولي ركن السيارات في الشارع و قضاء بعض الطلبات للسكان .

لم أستطع أن أثبت حتي لنفسي أن ما رأيته كان صحيحا و أرجعت إحمرار وجهه بسبب فزعه من المشهد الدموي .

الأيام التي كان ينظر إلي فيها بشره ولت و لم يعد يتظر في عيني بوقاحة مثلما كان .

الأحداث تتسجل فبي الذاكرة بصورة سريعة ثم تعاد بوتيرة بطيئة أقرب للصور المتتابعة منها إلي فيلم بطئ.

هو الوحيد الذي لم يعزيني في إبنتي و أصبح يكاد يختفي إذا لمحني .. يفزع عندما يري صورو ابنتي و تتواري عيناه هاربة إذا التقت عينانا ." منقدرش نعمل حاجة تاني .. أنا أسف المحضر إتحفظ " قالها الضابط المسؤول و كأنها طعنة

" مفيش أدلة غير كام كدمة مش عارفين نثبت دول بتوع ايه "

أشعر بالتهاون . أعرف أني لا أملك إلا شكوكا لا ترضي أحدا و لا تقنع أحدا .

أبقيت الشكوك في نفسي مثلما أبقيت قطعة القماش الحمراء التي وجدتها في يدي إبنتي يوم الحادثة في جيبي.

طلبت من زيزو أن يأتيني بطلبات للمنزل , لكنه رفض متعللا أنه خرج للتو مع أصدقائه إلي سهرته الأسبوعية .

رجوته لأني أقطن وحدي الآن .. رجوته بروح فاطمة أن يأتيني بطلبات المنزل .

تقول الأرصاد أن درجة الحرارة ستقترب من الأربع درجات مع وجود عواصف و أمطار غزيرة . تحذر الأرصاد سائقي السيارات من القيادة ليلا.

جاء زيزو و طلبت منه أن يدخل الأشياء إلي المطبخ و يشرب كوب شاي حتي أحضر بعض الملابس القديمة له .

" الميه في الكاتيل و السكر و الشاي علي الترابيزة "

أغلقت باب غرفتي علي و صوت دقات قلبي يعلو في أذني .

الأزيز الذي أسمعه يتحرك مع غمامة سوداء أمام عيني . ليس هذا وقت فقدان الوعي .

رايت نادية تزحف علي السرير و تتجمد و صوت لهاثها يعلورعلي صوت أزيز أذني .

أقطن في الدور الأرضي وحدي و لا يوجد بوابا للعمارة , تقطن في الدور الثالث عجوزا تزور شقتها كل شهر مرة و بيننا دور مهجور .

مرت الدقائق ثقيلة و أنا أنتظره .. منذ اسبوع رأيت قميصا أحمر شبابي منشور علي بوابة العمارة المقابلة ينقصه قطعة قماش تغطي الجيب .

تحركت علي أطراف أصابعي حتي وصلا للمطبخ .

رأيت وجهه منكفئا علي الطاولة .

غسلت الغلاية جيدا من بقايا الماء الممزوج بالمخدر و ساعدتني نادية أن ننزله إلي السيارة الواقفة أمام البوابة . لايوجد أحد في هذا الطقس الغائم الساعة الثانية عشر صباحا و لا أحد يعرف أنه أتي .

تحركت السيارة بنا إلي منطقة بعيدة نائية في احدي المدن الجديدة .الأمطار تجعل الرؤية شبة مستحيلة ليس هناك أكثر من مجنون يقود سيارته في تلك الليلة . تعذر الهمسة عن التواجد بيننا و أطبق صمت الرهبة الثقيل علينا . تنهب السيارة الطريق نهبا جشعا لا هوادة فيه ,تلهث وراء مهمة صعبة في منطقة معدومة علي الخريطة .

أتذكر المنطقة جيدا بعد أن زرتها مرات و جعلت عليها علامات تقريبية .

هنا جاء عمال منذ زمن و حفروا الأرض لتوصيل مواسير صرف كبيرة ثم جائت التعليمات أن العمران لم يزحف بالصورة المطلوبة لتوصيل تلك المواسير فترك العمال الحفر و المواسير و رحلوا .

أوقفت السيارة علي مقربة من حفرة مناسبة كنت إخترتها سابقا و أخرجنا زيزو جرا ومن السيارة و ألقيناه في الحفرة .

المطر يعمينا و البرد يقرص أطرافنا و العرق يتصبب علي جبيننا و نحن نهيل التراب علي الحفرة العميقة . استمر العمل ثلاث ساعات حتي غطينا الحفرة بالكامل و سويناها بالأرض .

هنا ... أسندت رأسي علي السيارة و تركت دمعة ساخنة تخرج من قلبي لا تختلط بالمطر بعد أن حبستها عاما كاملا .

خرجت فاطمة تودعني إلي النور ... أراها تذهب

اليوم أودعك فقد أطفئت رماد الحرقة علي غيابك

إبنتي الحبيبة ....... وداعا

11 فبراير 2014


* مستوحي من قصة حقيقية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Party 2

The Party 3

The Party