المستشفي


.......المستشفى ........*جديد* رأيك مهم*

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل :

القى برأسى على المقعد و اغمض عينى متمنية بعض الراحة الزائفة .
أراها مستلقية على الفراش أمامى و الأنابيب تخرج و تدخل الى انفها و فمها أتخيلها تلعب كباقى أقرانها و الضحكة التى تحتل جزء كبير من قلبها قبل ثغرها.
اتقلبت كل احلامى مرة واحدة ومعها لم تنقلب ايامها تعاسة فعقلها الصغير لا يعرف معنى الالم و لا يدركه.
حباها الله ككل الصغار بنسيان ألم الماضى و حب الحياه فى الحاضر و عدم الخوف من المستقبل.
أذكر اليوم الذى جعلنى اتخطى البوابة الزجاجية الكبيرة و انا لم أدرك بعد انى فى الواقع بعد ان عجز عقلى عن ادراكه لكارثة مرض ابنتى الوحيدة وقام باسقاط غشاوة الحلم على واقعى فجعلنى انتظر ان استيقظ من الكابوس بين لحظة و اخرى .
تعلمت بمرور الوقت ان اتفقد الغرف المجاورة و رأيت أمهات تفوقنى قوة و صلابة , أمهات يعرفت معنى الحياه و يدركنها ويبثوها بحماسة داخل نفوس من سلبت منهم .
لم تكمل ابنتى عامها الثالث بعد و لم تعرف الاصدقاء من اليوم الذى دخلت فيه المستشفى الا من سلمى صديقاتها التى تقطن فى الغرفة المجاورة التى يفوق عقلها سنواتها الاربع . لاتفهم ابنتى كل كلمة تقولها سلمى و لكنها تدرك الابتسامة التى تغزو وجهها عندما نحتل سريرها بالالعاب الملونة و اتركهم لأنظر فى عين الام الباسلة . التشخيص واضح حالة متأخرة من سرطان الدم يكد الأطباء فى وقف نزيف الحياة منها و أمها كلها امل ان تكون ابنتها من الصفوة المختارة .
لم اتمتع يوما بنظرة متفائلة و لكنى لدهشتى عرفت ان من يبث روح التفاؤل فى الأم هى سلمى نفسها بابتسامتها عندما تراها تبكى تقول لها: متعيطيش يا مامى انت كويسة ؟ اجيبلك الدكتور يديكى حقنة؟
فتضحك الام رغما عنها و عندما تمسك برأسها لتدلكه بين يديها الصغيرتين وتنظر فى عينيها نظرة صامتة ثم تضحك فجأه فتضحك الأم .
لكم نعطى ابنائنا الحنان و نحن نتصور اننا من يفيدهم بالحب غير مدركين انهم هم من يغمرونا بحنان و حب أكثر بكثير من أن نحلم به حتى اننا نسهب فى حب الاباء للأبناء و تضحياتهم لهم غير مدركين اننا نحصل على أضعاف مضعفة من الحياة بضحكة من ثغر الطفل أو كلم ينطقها بالمعكوس فتعطينا بهجة لا حدود لها .
سلمى كانت من تلك الأطفال التى لا تدرك معها مرور الوقت أو تمله و هى تشرح لك كل صغيرة و كبيرة تفعلها و الألوان التى تحفظها و حكاياتها التى لاتنتهى و التى أغلبها تكون من وقع خيالها الخصب و التى لا تفهم ابنتى منها شيئا ولكنها مثلى تشدها الحكاية و تهون عليها الوقت حتى انها لا تنام أو تستيقظ إلا و تطلب مقابلة سلمى.
منذ نحو اسبوع و لم اسمع عن سلمى شيئا راقدة فى الفراش و بجانبها أمها تمسك بيدها و لا تدرك من يومها الا قليلا تفتح عينيها لتنظر لأمها و تبتسم ثم تغمضها مرة أخرى يقول الأطباء انهت حالة مؤقتة و ستزول اعراضها سريعا .
ابقيت أبنتى قدر الامكان فى الفراش بعد أن ملئت الدنيا صراخا لمدة يومين بعد ان لم تستطيع ان ترى سلمى و بعدها دخلت هى الاخرى فى مرحلة العلاج التى تسلبك الارادة فى النهوض او القدرة على الاعتراض .
الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل :
فى بداية اليوم الجديد سمعتها يقول. الاطباء انها تبتسم و ان مرحلة الخطر زالت ولكنى سمعتها
تبكى ممسكة بيد ابنتها التى لم تبرد بعد والتى ظلت متشبثة بها اسبوعا كاملا تضغط كل عصب بها و تحيه بأمل و نظرة عين و ابتسامة باهتة تعطى الأم الأمل .

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل :

القى برأسى على المقعد و اغمض عينى متمنية بعض الراحة الزائفة .
اسمع الهمهمة تتحول الى بكاء فصراخ و هم يحاولون ان يحملوا الام على النهوض بعد ان ودعت ابنتها الوداع الأخير .
لن ترى ابنتى سلمى مرة اخرى و لن تعطها الأمل بايتسامة و لن تسمع صوتها و هى تحكى عن الألوان و عن القصص الخيالية التى تؤلفها .
القى برأسى على المقعد و اغمض عينى متمنية بعض الراحة الزائفة .
أراها مستلقية على الفراش أمامى و الأنابيب تخرج و تدخل الى انفها و فمها أتخيلها تلعب كباقى أقرانها و الضحكة التى تحتل جزء كبير من قلبها قبل ثغرها.

أتمنى أن تنهض يوما و لا تكون كسلمى . أدعو الله أن انتهى بسرعة من الألم الذى اشعر به

ألم الأنتظار ...... و الترقب .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Party 2

The Party 3

The Party