الثوب الأخير
. الثوب الأخير .....
بدأت أرسم سطورى الأولى بعد إنقطاع دام فوق الإثنى عشر شهرا قابعة داخل
شرنقة من التبلد الحسى و الفكرى صارخة بصوت أخرس لا أستطيع فيه البوح بأسرارى على الورق
.
ملئنى شعور بالسعادة و النشوة عندما وجدت الكلمات الهاربة التى ساعدتنى
فى التخلص من التكتم الذى كنت أعيشه .
اعتبرت الكتابة منذ يومى الأول هى الطريقة الغير آثمة فى البوح بأسرارى
و أسرار غيرى و هى أيضا الطريقة التى أنفس فيها عن غضبى أو إنتقامى و التى ساعدتنى
فى العثور على الحياه الهادئة و برود الأعصاب المطلوب لتلك الأيام.
تسائلت بدهشة عما أكتب الآن ؟ ليس لدى مزاج رائق من أجل كتابة سعيدة أو
نشوة خفية ولكنى لم أستطع التخلص من شعورى بالفضل لصاحب تلك السطور . عندما كنت صغيرة
كانت ظروف عمل أمى تتطلب تركى مع جدتى محذرة إياها من عواقب الآيس كريم فى هذا الجو
الحار و لا سيما و أنا أعانى من مناعة ضعيفة نوعا تؤهلنى أن أكون صديقة دائمة لأنفلونزا
الصيف المرعبة المصحوبة دائما بسخونة عالية .
أجرى فى أنحاء الشقة أبحث عنه ان لم أجده فى غرفته ثم أقبع أمام باب الحمام
إذا كان به حتى يرانى عند خروجه فتتلقفنى نظراته الحانية فى وجهه المصرى الصميم و جلبابه
الأبيض الواسع .
تسألنى جدتى عما أريد تناوله على الإفطار فأجيب "بيض ملخبط"
.
أخذه من يده إلى غرفته ثم أغلق الباب و أقف فى وسط الغرفة لأقول:
إقلع غماك يا تور و
أرفض تلف
إكسر ....(أسكت
قليلا)... تروس الساقية و إشتم و تف
(يهمس بصوت منخفض):
قال: بس خطوة كمان .. وخطوة كمان
(أصرخ أنا) :
ياأوصل نهاية السكة يالبير تجف
عجبى!!
هو من جعلنى أحفظ كلمات من رباعية صلاح جاهين بعد فشلى فى حفظ جدول الضرب
لرقم اثنين و توسلات أمى له بأن يساعدنى فى الحفظ فقط ليقول" انا ماليش غير فى
الفن" . كنت أراقبه بالساعات بدون ملل عندما يجلس ليكتب على أوراقه البيضاء أبيات
من الشعر القديم بقلمه الحبر ذا السن الذهبى و يعلمنى ما أفتقر له من جمال الخط وروة
و دقة التشكيل ثم أجلس معه لأستمع لرواياته عن أشخاص قدماء لم أحفظ أسمائهم إلا عندما
دراستهم بعد سنوات طويلة فى المدرسة .
جالسة على بطن و إمتلئ رأسى إنبهارا بكلماته و أصر على حفظ اسم أو اثنين
للتفاخر أمام أقرانى بالمدرسة بمدى معلومات الواسعه العميقة
- تعرف أحمد شوقى؟
متعرفوش ؟ يا حرااااام!!
تنادينى جدتى حتى أتناول إفطارى من البض المخلوط بالسمن البلدى . أحشر
اللقيمات فى فمى بسرعه وهو يرجونى أن أمضغ بهدوء حتى لا يضطرنى لان يضرب على ظهرى عندما
ينحشر الطعام فى حلقى ككل مرة . أجرى لأغسل يدى بعد حشرى أغلب الأكل داخل فمى و أنا
أردد " خلصت و الله خلصت"
أرجع لغرفته مبتسمة بخجل مصطنع ثم أبحث بأناملى الرفيعة داخل جيب جلبابه
الكبير عن تلك الورقة الملونة
حتى تتلاقى مع أصابعى فأكرمشها داخل جيبى الصغير و أغمز له بخبث.
"ياحاجة حبعت شاهى
تجيب لى الدواء من تحت أحسن خلص"
تتمتم تيتا بكلمات غير مفهومة فأجرى بسرعة مغادرة قبل أن تلحقنى على الباب.أرجع
بعد لحظات متقطعة الأنفاس و فى يدى آيس كريم الشيكولاتة و لبان بمبم أحاول أن أخبئهم
تحت قميصى.
نفضت عنى ذكريات
الماضى ما الذى أكتبه؟ أجننت؟!!
تلك هى اللحظات السعيدة من حياتى و التى رفضت طوال سنواتى أن أدونها أو
حتى أحكيها خارج صدرى حتى أمى لم تعرف حتى الآن أن جدى كان يكسر تحذيراتها بشراء الحلويات
و كانى ربى بسترنا بدون مرض يصيبنى فيفضح عملياتنا السرية التى كنت أستمتع بطعم المخاطرة
بها و أشعر
بلذة آيس كريم ألوكه تحت كنبة الصالون حتى لا ترانى جدتى
.
الأوراق التى كتبت عليها كانت أوراقه ولكن القلم الجبر كان قد جف و لم
يعد لسابق عهده بعدما توقف جدى
عن الكتابة و توقفت أنا عن زياراتى .
عند حلول موعد آذان العصر كنت بجانبه فى المسجد بطرحة جدتى الطويلة التى
تصل إلى ما بعد الركبة و التى تدارى التنورة القصيرة الملونة .أقف وسط جموع المصلين
لأفعل مثلهم و أقرأ الفاتحة بيقى عينه على خوفا من إنفلاتى من بين الصفوف و هو يصلى
و لكنى كنت متأكده ساعتها أنه يختبرنى ليتأكد أنى بنت مطيعة لربها لذا كنت أقلده بإنتباه
شديد داعيه ربنى أن يحبنى أكثر فأكثر و .... "و يخلى جدو يجيبلى شيبسى بعد الصلاه".
يجلس فى غرفة نومه بعد الصاه تاركا بصيص من النور يمر عبر الشيش الشبه
مغلق .يصمت قليلا ليسرح فى الحبيبات العالقة فى الضوء ثم يلتفت إلى ليسألنى "عايزة
أحكيلك
إيه؟!!"
"قصة سيدنا يوسف ياجده"
أتركه يحكى قصتى المفضلة لتثقل جفونى تدريجيا ثم أنام بجانبه على السرير
و بين الحين و الأخر كنت أستيقظ مذعورة خوفا من أن يكون قد تركنى وحدى فى الغرفة وعندما
أسمع صوت شخيره كنت
أترك نفسى لراحة بعد الظهر بسلام.
صندوقتى الخشب الذى نفضت عنه غبار السنوات و أيقظت الأوراق التى به لأنعشها
بربيع الحنين إلى رؤياه جعلنى أستاء لأنى وصلت متأخرة و أنى لا أملك دمعه واحدة وكأنه
علمنى فى زمنه القديم أن أمسك الورق و أتلك لأنه أبقى من تحرف العقل لكلمات أو نسيانها
أو كأننى أريد أن أخلد تمثالا يبقى مغروس قواعده داخل كتاب يقرأه أحدهم فلا يشعر إلا
بنشوه قراءة قصة
جيدة و يلمس مشاعر كاتبها.
أما كلماتى فتخلد لحظات قد يفعلها أى جد مع حفيدته و لكنها يتظل مؤثرة
فى حياتى القادمة لتثبت لسنوات مرت أن الزمن لا يمحى حروف حفرت على حجر الذكريتا الصلد
الذى إدخرته لنسائم صلاح جاهين و إبتسامه الآيس كريم فى جو أغسطس الحار أو راحة بالى
فى ركوع صلاه العصر و
مداعبة جفونى بقصة سيدنا يوسف قبل نوم القيلولة.
أغلق باب مكتبه لألحق به فى ثوبه الأبيض الأخير و أنا أذكر كلماته بألا
أرتدى الأسود أبدا حتى و لو سخر منى الأخرون و أتلقى ما حفظنى إياه و كأنى أسمعه يقول
:
يا حزين يا قمقم
تحت بحر الضياع
حزين أنا زيك و إيه
مستطاع
الحزن مبقالهوش
جلال يا جدع
الحزن زى البرد
.... زى الصداع
عجبى!!
24\6\2010
تعليقات
إرسال تعليق