عم زغلول

عم زغلول

يفتح عم زغلول محله فى الساعة العاشرة من كل صباح.بيده المرتعشة يمسح الأتربة هنا و يزيح قصاقيص الأقمشة من هناك .يفتح المذياع على محطة القرآن الكريم و يتلو الموعظتين. يتكون افطار عم زغلول دائما من ساندوتش الفول و بعض المخلل الذى يشتريه من المطعم المجاور.
يتكون المحل من طابقين الطابق الأرضى به ماكينة متهالكة للسرفة و الأخرى ماكينة حياكة جديدة إشتراها بالتقسيط والطابق الثانى به سرير قديم و دورة مياه تساقط معظم بلاطها و بجانب السرير يقبع بوتجاز صغير و أنبوبة غاز لزوم عمل الشاى . تعودت أن ألقى التحية اليومية عليه و أن أبعث له سلام جدتى الدائم و ترحمها على زوجته التى ماتت منذ سنين .
يقع منزلى جدتى فى أول الشارع و مدرستى القديمة فى آخره لذلك فكان مرورى بمحل عم زغلول حتما لآنه يقع على الواجهة الأخرى من الشارع حتى عندما دخلت الجامعة و كبرت جدتى و ضعف نظرها فلم تعد تستطيع أن تفصل ملابس لنا لم يفوتنى مراقبة عم زغلول وهو يقفل المحل عليه من الداخل و أتخيله يزيح المتر جانبا و يصعد السلم بتأنى ليدثر فى الأغطية حتى الصباح.
28 يناير الساعة الثانية عشر ظهرا:
قررت اليوم أن أبيت عند جدتى و لسوء حظى إنخلع كم الجاكيت و أنا أنزل من الأتوبيس لدى عودتى من مشوار طويل عرجت على عم زغلول ليثبت لى الكم فى مكانه . أعرف أن اليوم الجمعة و لكن من قال أنه لن يوجد بالمحل إنه الرجل الذى باع المنزل الصغر الذى كان يعيش به بعد موت زوجته ليعطى المال لإبنه ليقيم مشروعة الخاص و أثر البقاء داخل المحل بعد أن أخذ سريره الصغير معه.
لم يسأل عن ابنه و ما فعله بالمال بعد أن انقطعت أخباره عنه بتحججه الدائم بالمشاغل العائلية أو السفر فلم يزعجه عم زغلول أكثر من ذلك و بقى يتلمس دفئ عشرة الأحباب من الصداقات التى صنعها من زبائنه و أصحاب المحال المجاورة .
ناديت عليه ليفتح المحل و أخبرته بأسفى و لكننى لا أملك جاكيت أخر أتحرك به علاوة على بروده الطقس السائدة .
- الدنيا عاملة ايه بره؟
- ولعت يا عم زغلول و أنا اللى كنت فاكراها يوم 25 يناير مظاهرة و حتروح لحالها زى اللى قبلها. أنت ايه رأيك ؟
- أنا خلاص ماليش رأى لأنه مش حيفيدكم أنتم جيل الثورة الجديد أنا وقفت على ثورة 52.
بقيت أتابع الأخبار بنهم على التلفاز الصغير الذى يضعه على الرف العلوى للفاترينة ووجهه لنا .
- أنت معندكش أقارب تروح عندهم اليومين دول يا عم زغلول أصل كده محلك مش مأمون
- و يعنى ايه اللى حيحصل يا بنتى دا محل خياطة مش بنك يعنى حيتسرق منه ايه؟
أستغرق ضعف الوقت اللازم لحياكة الكم عندما يقوم عم زغلول بالحياكة و لكنى أتغاضى عن ذلك لأستمتع بالجو العام للقدم الذى يغلف المحل و يغلفه هو شخصيا . بقينا نتكلم على الأحداث الجارية و بين كل جملة و أخرى يوصينى بالأ أترك المنزل أبدا حتى تهدأ الأمور .
إستلمت منه الجاكيت و نقضته أجره و كررت عليه ان يحمى نفسه جيدا فلا أريد أن أفقد جدى الأخر بعد أن فقدت الأول فى حادث ميكروباص فظيع .

لا يربطنى بعم زغلول صلة عاطفية ما هذا لانى لا اراه كثيرا و لكنى اتعاطف معه لكونه يعيش فى المحل و لا يجد ما يفعله بعد ان مات كل من فى سنه و حتى ابنه الذى اعطاه ظهره بعدما استلم المال . رجل فى الثمانين من عمه يعيش على الفول و الطعمية و بعض الأطعمة الغير معروف مصدرها. أى مجتمع عادل يتركه لموت فى مكانه و دون يد تسلمه الدواء أو تعطيه شربه ماء أخيرة .أى مجتمع لا يقوى على احتمال شيخ فانى لا تهتم به اسرة ما و لن يعرف احد أنه مات إلا عندما تفوح رائحة جثته يوما ما و مازلنا نعزف على نغمة الشفقة و أخلاق التى لا توجد مثلها فى دولة أخرى .
عشت أكثر الليالى إظلاما لازلت أحتاج إلى أن أعترف أن رسوبى فى الكلية لم يكن بهاذا السوء مقارنة بما اشعره بعدم الأمان الآن و أنا اسمع عن هروب المساجين و إنقطاع إتصالات تجعلنى غير قادرة على الإطمئنان على أحد.
مازلت أسمع صراخا هنا و هناك و نحن نقبع فى المنزل مطفئين الأنوار كأننا عدنا إلى غارات الحرب العالمية فى مصر بعدما أدركت خطاى بعدم هروبى مع جدتى بعيدا عن الشقة التى تقع فى قلب الأحداث.
صرخات هنا و هناك ألوان النار التى أراها بديعة فى بعض الأوقات و ترتعد أوصالى عند مشاهدتها الآن . سماع الزجاج الأمامى للمحال بتهشم و كأن العقول فقدت زمام التحكم بأناس فقدوا التحكم بقدراتهم على الإحتمال بدورهم .
وضعت المخدة على رأسى و حاولت الإنعزال داعية أن أنام فلا أشعر بنصل السكين إذا جاء ليغتصب روحى أو لا أشعر بوجود حرامى يأخذ ما يريد ثم يتركنى فى حالى و يذهب و لكنى لم أكن متأكده أن حالة السعار التى تحولت إليها البلد و ناسها ليست لها نهاية و أن المسألة تعدت إشباع البطن إلى إشباع الجسد و أن من يأتى لن يكون سالبا لمال فقط.
استيقظت فى اليوم التالى على شموس صغير أعمت عينى لصباح شعرت معه أنى كنت بكابوس إنتهى و لكن الإرهاق البادى على وجه جدتى جعلنى أدرك أنى لم أكن أحلم .
جلست على مائدة الإفطار و انا اصغى للأخبار باحثة عن شئ يطمئننى كل ما ورد عن المكالمات الهاتفية لاأساس له من الصحة و أن البلد كلها بخير و صحة ثم صراخ فى قنوات أخرى عن تهشيم المحال وسرقة أموال مكاتب الصرافة .
-" عم زغلول تعيشى أنتى"
تحتل جدتى الفراغ الذى أنظر إليه ببلاهة أستمر فى المضغ و أنا أفكر إذا كانت مزحة قاسية فأنا جديرة بأن أرد .
تنظر لى جدتى بعدم فهم لموقفى و تقول هى تقطع شيئا ما لا أعلم إذا كان فأرا أم سحلية .
-" ولاد الحرام ولعوا فى المحل وهو جوا".
تحركت ببطء نحو الشرفة حتى أنثنى إلى أقصى مدى فأستطيع أن أرى محله .
دمعة إتحدرت ألما من عينى ...شعره الأبيض و إرتجاف أوصاله وهو يسلمنى الجاكت أخر مرة.
" متفحم " كلمة سمعتها قديما . المحل احترق عن أخره
اهتزت قدمى و شممت رائحة الموت فى كل مكان. تركوا العجوز يستغيث وأحرقوا المحل و هو به فقط لأنهم يريدون ذلك ليس طمعا فى مال يدرك أهل المنطقة بأكملها انه لا يملكه أو مقاومة لأحد إقتحم عليه داره لأنى متأكدة أنه لا يقدر أن يفتح الباب دون الإصابة بدوخة من فرط المجهود .
أى عقل قرر أن يحرق إنسان لمجرد المتعة أو حتى الإنتقام ؟
و إذا كان الإنتقام فمن؟ من شيخ أضناه عجز الأمة عن توفير شربة دواء له
أنها الحكومة التى قتلت القاتل و المقتول و عرفت كيف تفرغ شحنة كراهية من مطحون فى مطحون...
إنها الحكومة من قتلت عم زغلول..


11/2/2013

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Party 2

The Party 3

The Party